ابن أبي الحديد
235
شرح نهج البلاغة
خاتمته ، نحيي ما أحيا القرآن ، ونميت ما أماته ، على ذلك تقاضينا ، وبه تراضينا ، وإن عليا وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس ناظرا ومحاكما ، ورضي معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا ومحاكما ، على أنهم أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه ، وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه ليتخذان الكتاب إماما فيما بعثا إليه ، لا يعدوانه إلى غيره ما وجداه فيه مسطورا ، وما لم يجداه مسمى في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله صلى الله عليه الجامعة ، لا يتعمدان لها خلافا ، ولا يتبعان هوى ، ولا يدخلان في شبهة ، وقد أخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنة نبيه ، وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره ، وإنهما آمنان في حكمهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ، ما لم يعدوا الحق ، رضي بذلك راض أو أنكره منكر . وإن الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل ، فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلا ، لا يألون عن أهل المعدلة والإقساط على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق والحكم بكتاب الله وسنة رسوله ، وله مثل شرط صاحبه ، وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء ، فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله . وقد وقعت هذه القضية ، ومعها الامن والتفاوض ، ووضع السلاح والسلام والموادعة ، وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألا يألوا اجتهادا ، ولا يتعمدا جورا ، ولا يدخلا في شبهة ، ولا يعدوا حكم الكتاب ، فإن لم يقبلا برئت الأمة من حكمهما ، ولا عهد لهما ولا ذمة ، وقد وجبت القضية على ما قد سمى في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الحكمين والأميرين والفريقين ، والله أقرب شهيدا ، وأدنى حفيظا . والناس آمنون على أنفسهم وأهلهم وأموالهم ، إلى انقضاء مدة الاجل ، والسلاح موضوع ، والسبل مخلاة ، والشاهد والغائب من الفريقين سواء في الامن ، وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق والشام ، لا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملا منهما وتراض ،